محمد بن جرير الطبري
163
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الذين ظلموا أنفسهم بربهم وافتروا عليه فريتهم عليه ، وعند الله علم شركهم به وافترائهم عليه ، وهو معاقبهم على ذلك عقوبتهم التي هم أهلها ، وما كان شركهم وفريتهم على الله لتزول منه الجبال ، بل ما ضروا بذلك إلا أنفسهم ، ولا عادت بغية مكروهة إلا عليهم . حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا وكيع بن الجراح ، قال : ثنا الأعمش ، عن شمر ، عن علي ، قال : الغدر مكر ، والمكر كفر . القول في تأويل قوله تعالى : فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ الذي وعدهم من كذبهم ، وجحد ما أتوهم به من عنده . وإنما قاله تعالى ذكره لنبيه تثبيتا وتشديدا لعزيمته ، ومعرفه أنه منزل من سخطه بمن كذبه وجحد نبوته ، ورد عليه ما أتاه به من عند الله ، مثال ما أنزل بمن سلكوا سبيلهم من الأمم الذين كانوا قبلهم على مثل منهاجهم من تكذيب رسلهم وجحود نبوتهم ورد ما جاءوهم به من عند الله عليهم . وقوله : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ يعني بقوله : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ : لا يمانع منه شيء أراد عقوبته ، قادر على كل من طلبه ، لا يفوته بالهرب منه . ذُو انتِقامٍ ممن كفر برسله وكذبهم ، وجحد نبوتهم ، وأشرك به واتخذ معه إلها غيره . وأضيف قوله : مُخْلِفَ إلى الوعد ، وهو مصدر ؛ لأنه وقع موقع الاسم ، ونصب قوله : رُسُلَهُ بالمعنى ؛ وذلك أن المعنى : فلا تحسبن الله مخلف رسله وعده . فالوعد وإن كان مخفوضا بإضافة " مخلف " إليه ، ففي معنى النصب ، وذلك أن الإخلاف يقع على منصوبين مختلفين ، كقول القائل : كسوت عبد الله ثوبا ، وأدخلته دارا . وإذا كان الفعل كذلك يقع على منصوبين مختلفين ، جاز تقديم أيهما قدم ، وخفضت ما ولي الفعل الذي هو في صورة الأسماء ونصب الثاني ، فيقال : أنا مدخل عبد الله الدار ، وأنا مدخل الدار عبد الله ، إن قدمت الدار إلى المدخل وأخرت عبد الله خفضت الدار ، إذ أضيف مدخل إليها ، ونصب عبد الله ؛ وإن قدم عبد الله إليه ، وأخرت الدار ، خفض عبد الله بإضافة مدخل إليه ، ونصب الدار ؛ وإنما فعل ذلك كذلك ، لأن الفعل أعني مدخل يعمل في كل واحد منهما نصبا نحو عمله في الآخر ؛ ومنه قول الشاعر : ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه * وسائره باد إلى الشمس أجمع أضاف مدخل إلى الظل ، ونصب الرأس ؛ وإنما معنى الكلام : مدخل رأسه الظل . ومنه قول الآخر : فرشني بخير لا أكون ومدحتي * كناحت يوم صخرة بعسيل والعسيل : الريشة جمع بها الطيب ، وإنما معنى الكلام : كناحت صخرة يوما بعسيل ، وكذلك قول الآخر : رب ابن عم لسليمى مشمعل * طباخ ساعات الكرى زاد الكسل وإنما معنى الكلام : طباخ زاد الكسل ساعات الكرى . فأما من قرأ ذلك : فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ فقد بينا وجه بعده من الصحة في كلام العرب في سورة الأنعام ، عند قوله : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ يقول تعالى ذكره : إن الله ذو انتقام يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ من مشركي قومك يا محمد من قريش ، وسائر من كفر بالله وجحد نبوتك ونبوة رسله من قبلك . ف " يوم " من صلة " الانتقام " . واختلف في معنى قوله : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ فقال بعضهم : معنى ذلك : يوم تبدل الأرض التي عليها الناس اليوم في دار الدنيا غير هذه الأرض ، فتصير أرضا بيضاء كالفضة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت عمرو بن ميمون يحدث ، عن عبد الله